منتديات السديرة
أنت غير مسجل لدينا . للتسجيل اضغط على زر التسجيل


منتديات السديرة
أنت غير مسجل لدينا . للتسجيل اضغط على زر التسجيل

منتديات السديرة
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات السديرةدخول

رواية "صبي من النيل الأزرق

power_settings_newقم بتسجيل الدخول للرد
+6
وحيدة بدنيتي
ابوالزهور
monty
moon love
wellyee
عسيلاتي
10 مشترك

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(15)


استكشاف الصحراء



بالنسبة لي فإن استكشاف الصحراء هو مشروعي الخاص ، بعيدا عن الحياة والدين والربح والخسارة .لا يستطيع الآخرون أن يفهموا لماذا أسير كل هذه المسافات في الصحراء وعلى ضفتي الأتبراوي . فقد أحببت هذه الأماكن الموحشة بسكانها البؤساء الذين حاولت الانتماء إليهم ولكني رُفِضت . لقد كانت تتملكني روحا قلقة تكاد لا تهدأ وهو ما يعد في أعين والديَ نوعا من الضياع عديم الفائدة .
في أحد الأيام قصدت إحدى المخيمات الواقعة على بعد عدة كيلومترات غربي عطبرة المقرن، و الذي علمت بوجوده من العم ديمتري وهي كما قال إحدى المحميات الطبيعية ولا يعيش فيها غير بدو الكبابيش وحراس الغابات المحمية . لقد سألت العم ديمتري في إحدى المرات : (كيف يمكن للمرء أن يدرس ويصير خبير غابات؟) ،فأجاب : (أن هذا النوع من الدراسة لا يوجد إلا في أوربا .)
لم أجد من أصدقائي من يرافقني في رحلتي إلى المعسكر المذكور .في أحد أيام الآحاد قررت تنفيذ الرحلة بمفردي ، فعبرت إلى الضفة الغربية على متن أحد المراكب ، ثم توجهت صوب الغرب .ما إن بدأت المسير حتى أوقفني عسكري هوساوي ، والذي تعجب من رحلتي غير المعهودة بالنسبة له ، ولكنه سمح لي بالمسير شرط أن أعود إليهم قبل المغيب . عندما توغلت في المسير لمسافة ميلين بدأت الأشجار في التناقص ولم يكن أمامي إلا السراب وبعض شجيرات الدوم .وبدأ يدب في نفسي الضجر والسأم . وكلما تقدمت نحو الصحراء تكاد الحرارة تأكل قدمي والألم يعصف بساقي وقبعتي لا تقيني لفح رياح السموم ، والذباب اتخذ ظهري وسيلة مجانية في رحلة صحراوية .ثم بدأت قدماي تغرزان في الرمضاء وأخيرا وصلت وأنا في غاية الإعياء والتعب
- السلام عليكم.
- و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
وقبل أن يكملوا السلام ودون انتظار أي دعوة تهالكت على برش من سعف الدوم .ومكثت هناك زهاء الساعة دون أن انطق بكلمة ودون أن يكلمني أحد تقديرا لحالتي . بعد ذلك أحضرت أحد النساء إناء من القرع مملوء بلبن النوق وطلب مني أن أشرب منه ببطء . عندما قدر زعيم البدو إنني قد ارتحت ، ابتدر الحوار قائلا :
_ اهلا وسهلا ، حمدا لله على السلامة . هل تجشمت كل هذا التعب لتزورنا ؟
أجبت باقتضاب :
- نعم .
- أهلا وسهلا ، لابد أنك عانيت الكثير في سبيل الوصول إلينا .
وبعد فترة من الصمت أضاف:
- لقد دفعنا ما علينا من الضرائب ، ألست أنت مندوب الحكومة ؟
ثم أضاف بعد أن تمعن في وجهي :
- لكنك تبدو صغير السن.
ودون انتظار لرد مني سأل في حزم :
- ما هي مهمتك ؟
- أنا لست مندوبا حكوميا ولا علاقة لي بالضرائب . جئت لأزوركم . إنني دائما ما ازور المناطق حول المدينة .
ثم سألت في استعطاف :
- ألا تريدني أن أزوركم ؟
- يا سبحان الله !! هذا منطق جديد !!ّ
صمت الشيخ وبعد أن فكر مليا قال :
- إنك لست بلص ولا تبدو شريرا !! ثم ماذا بعد زيارتنا ؟
- سوف أعود إلى بيتي الذي يقع في حي السكة حديد . أبي يعمل تذكرجي بالمحطة وانه لا يعطي تذاكر مجانا
ثم أضفت وأنا ابتسم :
- يعني مافي بقشيش.
- هذا صحيح فان الحكومة لا تترك مليما يخصها.
وهكذا كلما استمر الحوار كلما تلاشت الشكوك حول شخصي ومهمتي . تكلمنا عن شتى المواضيع ، عن قطعان الماشية و الإبل وقوافل الجمال إلى مصر (الدبوكة).
تمعنت في وجه الشيخ كانت تبدو عليه سيماء السلطة والقيادة ، له أنف طويل معقوف قليلا ولحية وشارب رماديين وشعر حليق و أسنان بيضاء وعيون سوداء وبشرة نحاسية وساقين نحيلين

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
16)

حقائق الحياة


على بعد أربعة أمتار شمال منزلنا وشرق المستشفى ، كان هناك حديقة و إشلاق لسكن شرطة السكة حديد. استيقظنا يوما لنجد كل أفراد الشرطة قد رحّلوا من ذلك المكان ، لتحل محلهم مجموعة من الفتيات من جنسيات مختلفة ، مصرية ،غرب إفريقية ،عربية وحبشية . الجنود الإنجليز يسيرون كل هذه المسافة من معسكرهم في منطقة القيقر فرادى وجماعات ، يجلسون على كنبات إسمنتية في الهواء الطلق أو تحت مظلة من الاسبستوس بنيت خصيصا لهم ، ينتظرون هناك هنيهة ثم يدخلون الواحد تلو الآخر إلى واحدة من تلك الغرف حيث تستقبله فتاة بابتسامة و تودعه بأخرى . قد أنشئ مستوصف أمام هذا المجمع وعلى كل جندي المرور عليه أولا ثم يواصل طريقه لهدفه .
أخبرت أحد أصدقاء الفصل بما رأيت ،وما لبث أن انتشر الخبر في المدرسة .جاءني كبار التلاميذ لمزيد من التفاصيل . بعد نهاية اليوم الدراسي رافقني عدد منهم وتجمعنا حول المكان نبحلق في الجنود والفتيات حتى تم مطاردتنا من قبل أحد رجال السواري.
قد كان عمري حينئذ خمسة عشر عاما وكنت جاهلا بحقائق الحياة ..همس لي عزيز -وقد صار من الأولاد الكبار : (إذا أحضرت ثلاثة أو أربعة شلنات سوف آخذك إلى فتاة رائعة لتعلمك ) . كنت وقتها أملك شلنين واستطعت أن آخذ شلنا من والدي ليصطحبني عزيز لجزء من المدينة لم أزره من قبل وقد كنت احسب أنني اعرف كل أنحاء مدينتي .
هناك عدة فتيات داخل المنزل الذي قصدناه . صديقة عزيز كانت صغيرة الجسم يلمع جسمها الأسود من النظافة ويفوح منها عطر الياسمين . نظرت الفتاة نحوي بعين خبيرة ثم قالت لعزيز : (يالك من شيطان !! الولد ما زال صغيرا ولكن يا لجماله وبياضه ) .وقالت أخرى : ( انظري لشعره الحريري وعيونه الواسعة وفمه الشهي ) . كظمت غيظي لأن مثل هذا الوصف يقال للبنات . قدم لنا فطورا وليمونادة وبعد ذلك أعد المكان لعمل الجبنة ورويدا رويدا زال القلق وتماسكت واندمجت في الحديث معهم .
أخذت فاطمة _ صديقة عزيز _ بيدي إلى غرفة في ركن قصي من الحوش . الغرفة نظيفة ومفروشة بالرمل و يفوح منها رائحة البخور .على أحد الجدر صورة ملك وملكة بريطانيا وفي الجدار المقابل صورة العائلة الملكية المصرية وفي جدار ثالث صور لنجمات السينما . في هذه الغرفة أخذت درسي الأول عن حقائق الحياة . وعند خروجنا في نهاية الزيارة أعطت فاطمة عزيز شلنا و أرجعت لي شلنين إكراما للزيارة الأولى.
في طريق عودتنا قابلنا مجيد في السوق ، وزف له عزيز النبأ الذي أفرحه .من عزيز ومجيد أخذت ثقافتي الجنسية المغلوطة وخاصة حول كيفية حدوث الحمل : ( يجب أن يمارس الزوجان الجنس كل يوم لمدة ساعتين على الأقلو لمدة ثلاثين يوما مبتدئين بعد ظهور الهلال وبعد الممارسة يجب على الزوجين الاستحمام بصابون الفنيك . ومن أهم الشروط يجب ألا يراهم أحدا وهم في ذلك الوضع ) .
قضيت الأربعة أسابيع التالية وأنا أفكر في فاطمة وخلال هذه الفترة كنت أبذل جهدي لتوفير المبلغ المطلوب .
ما إن اكتمل المبلغ حتى طرت طيرا إلى منزل فاطمة حيث استقبلت بحفاوة . كانت فاطمة تكوي بعض الملابس ، فنهضت لأمسك المكواة من يدها وابدأ في الملابس الذي أجيده واحبه ، لأني أقوم بمساعدة أمي في كي ملابس جميع أفراد الأسرة . وكانت النتيجة أن كسبت شلنين من فاطمة وبقية البنات وطلبوا مني الحضور يوم الأحد القادم لأجد الملابس جاهزة للكي مقابل قرشا للقطعة الواحدة . كان مكسب هذا اليوم عظيما ردت لي فاطمة مبلغ الثلاث شلنات إضافة إلى أجرة الكي ليصير معي خمسة شلنات . إذن لن تواجهني مشكلة يوم الأحد القادم .
في إحدى الأمسيات توقف قطار مملوء بالجنود الإنجليز في محطة عطبرة.تقدمت مجموعة منهم نحوي وخاطبني أحدهم ولكني لم أميز من قولهم غير كلمتي : بنت .. قيرل .. أشرت للمجمع الكائن في مكان القشلاق وقلت : ( بيت قزاز .. بيت قزاز ) لكنهم لم يفهموا قولي ، فأخذت أحدهم من يده وتبعنا الباقون وعندما وصلنا إلى المجمع (بيت القزاز كما صار يعرف) ضحكوا وطبطبوا على رأسي وأعطاني كل واحد منهم شلنين . بعد قضاء مأربهم عدنا جميعا إلى المحطة . طلبوا مني الانتظار وعاد أحدهم يحمل قفصا من داخل العربة ودفعه لي . كان القفص مملوءا بالمعلبات والبسكويت وحتى السجائر. حملت القفص على رأسي وأنا أسرع الخطى نحو بيتنا القريب من المحطة.
بالمعلبات أنواع من الطعام كنا نراها لأول مرة. اثانسيوس صاحب البقالة والقسيس القبطي أفتوا بأنه طعام نجس ، بالرغم أن الوالد والأعمام ديمتري وفانوس قد استطيبوه وقالوا : ( مادام نافعا للأوربيين فإنه بنفس القدر نافعا لنا ) وكان ذلك يعتبر قمة الثورية . في أحد الأيام أخذت بعض العلب إلى شيخ غيث عندما ذهبت له في منزله لأخذ درس قواعد اللغة العربية .لكن الشيخ أعطاني محاضرة عن الإثم الناتج من أكل الطعام الحرام بالرغم من أنني لم آخذ معي شيئا من معلبات لحم الخنزير . المسلمون وكثير من الأقباط كانوا يعتقدون بحرمة الطعام المعلب .
استطعت أن أبيع من هذا القفص ما قيمته ستة شلنات ليفصل لي بها الترزي الكنغولي أبو بكر قميصا من البوبلين الأبيض ذو أكمام طويلة .في يوم الأحد التالي أخذت معي بعض المعلبات لمنزل فاطمة وعندما أخبرتها بأنني أخذت الجنود الإنجليز لبيت القزاز ، قالت : ( يالك من قواد شاطر !! لقد تعلمت سريعا !! ) . وضحكنا جميعا .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(17)


جراد ، جنس وأجاويد

من مآسي السودان، الغزو السنوي لجيوش الجراد الذي كانت أسرابه في السماء تحجب ضوء الشمس مثل السحب الداكنة .وعندما يحط على مكان يجعله قاعا صفصفا . لقد رأيت فروع الأشجار تتمايل ثم تنكسر ثقلا من الجرادا .
كنا نجمع الجراد في أكياس وتقوم أمي وخادمتنا الفلاتية نورا بقليه وشيه . وقد تصل حصيلتهما في اليوم حوالي عشرة كيلوجرامات. ينشر الجراد بعد الشواء والقلي على برش في فناء المنزل ،حتى ينشف بفعل حرارة الشمس. ثم يسحن مع قليل من البهارات لمنع النمل من الاقتراب منه ثم يعبأ في صفيحة كروسين فارغة أو قربة من جلد الماعز . تضيف أمي مسحوق الجراد إلى طبخاتها المختلفة وخاصة البامية والملوخية ( مثل مرق الدجاج في أيامنا هذه ) وكان من الأطباق المحببة لنا .

**


عملت فخا من الصندوق فوق سقف منزلنا لاصطياد الحمام الخلوي ، ولأنني أريده سالما ، كان علي أن أصعد لسقف المنزل عدة مرات في اليوم لأتفقد الفخ . في إحدى المرات ومن موقعي على سقف منزلنا رأيت ،جارنا علي يمارس الجنس مع جاريته أمينة . - لعلي زوجتين سارة وجميلة وكانتا دائمتي الشجار والنتيجة أن سافرت سارة لبيت أهلها في كريمة تبرما من مضايقة جميلة لها – بالطبع راعني المنظر الذي كنت قد شاهدته من قبل بين الحيوانات، خاصة عندما يصحبني والدي مع معزتنا بلحة لمزرعة إبراهيم لتلقيحها .
بعد يومين قابلت أمينة في الغابة الجديدة .كانت هناك لتجمع حطب الحريق والجراد ،وكنت أنا في نفس المهمة.أخذت في الاقتراب منها وأخبرتها بما رأيت .ثم قلت في غرور : ( أنا أفعل ذلك أفضل منه ) فما كان منها أن قذفتني بغصن الشوك في وجهي قائلة : ( إنني أفعل شيئا حلالا إنني جاريته .إياك أن تكرر ذلك وإلا سوف أخبر علي الذي لن يهدأ له بال إلا بقتلك ) . وبدأنا الشجار ولكنها أخيرا ازعنت لرغبتي ومكنتني من نفسها . في طريق العودة كانت أمينة تقول لي : ( إنني الآن حامل منك . يالك من إبليس ، من علمك هذا ؟) لقد غمني أول الأمر كلامها عن الحمل، ولكنني بعد استدعيت ثقافتي الجنسية المستقاة من عزيز ومجيد اطمأننت وقلت لنفسي : ( إننا لم نفعل ذلك إلا مرة واحدة وفي النهار فكيف يحدث الحمل . أكيد تلك دعابة منها .)

**

في إحدى الأيام وأنا أملأ الماء من ماسورة الشارع . جاءتني أمينة وهي تحمل متاعها في قفة وأخبرتني أن عليا قد طردها من البيت . تأسفت لذلك وأعطيتها ما معي من النقود .
بعد أيام قليلة من ذهاب أمينة حضر ستة أشخاص بصحبة صديق والد علي لمقابلته نادى صديق على والدي وعلمنا أن هؤلاء أجاويد جاءوا ليصلحوا بين على وزوجاته .
في ذلك الزمن كان الناس لا يذهبون للسلطات الرسمية إلا بعد نفاد كل الجهد الأهلي .رحب والدي بالضيوف وأرسلني لأبلغ أمي بوجودهم ._ لقد كان من العيب أن تحصي عدد الضيوف _
واستمر الحوار لمدة يومين وبعدها توصل الجميع لعدة قرارات منها :
أن ترجع أمينة لتعيش في بيت علي بعد أن اعترف بأبوته للجنين وأن يعتقها ويتزوجها إذا ولدت له مولودا ذكرا ..وأن تعود سارة من كريمة بعد كسوتها ترضية لها .كذلك أقر الأجاويد أن تبقى جميلة في بيت أبيها لمدة ستة شهور عقابا لها .
جيء بأمينة إلى منزلنا وقامت والدتي ونورا باصطحابها إلى منزل علي . ولدت أمينة ولدا ذكرا ولكن ولدهشة الناس رفضت أمينة أن تكون حرة بل فضلت أن تكون جارية لعلي ولكن ابنها سيكون حرا طالما أن أباه حر وهذه عادات وتقاليد مجتمعنا .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(18)


أنا و إبراهيم

لقد كنت شاهدا على دراما بيت علي ، وكنت الشخص الأكثر معرفة بجوانب كل الموضوع ،و إنني أملك من أسرار بيت علي لو أفصحت عنها لأودت بي إلى المهالك .
كانت جميلة هي الخاسرة من قرارات جماعة الأجاويد. لذا يبدو أنها تريد تعويض خسارتها بخيانة علي ‍‍‍‍‍، فقد رأيتها وهي بين أحضان إبراهيم الكناري . كانت جميلة تتخلص من أمينة بإرسالها للغابة ليخلو لها الجو مع إبراهيم . كنت أنا أحيانا أفضل اللحاق بأمينة وأحيانا أخرى أفضل الصعود على سقف منزلنا للتفرج على مسلسل إبراهيم وجميلة .
في أحد المرات لمحني إبراهيم وأنا أبحلق في المنظر فما كان مني إلا إن هرولت نازلا من السقف .نادى علي إبراهيم وهو يحاول أن يجعل صوته عاديا . لقد خمنت السبب ، وما أن اقتربت منه حتى بادرته :

- سرك في بئر.
رد إبراهيم في هدوء :
- أيٌ سر ؟
- لقد رأيتكما معا .
- رأيتنا..‍‍‍‍‍‍‍.‍‍‍‍‍‍‍!! ماذا تقصد ؟
- أنت وجميلة .
- أين كنت ؟
- واقفا على السطح أنصب شراكي.
- لا .. لا .. أنت واهم.
- أنا متأكد . منذ شهور وأنا أراقبكما .ولم أخبر أحدا .
- يالك من ولد رائع !! أنت شخص يستحق الثقة . تعال معي لأكافئك بقليل من السمن والزبد
.

قفزت خلفه على الحمار . ساق إبراهيم حماره صوب قريته ولكنه كان يميل قليلا.. قليلا.. نحو اليمين حيث الصحراء وتعمقنا خلف الصحراء حوالي أربعة كيلومترات . ترجل إبراهيم من حماره خلف أحد تلال الرمال ، وهنا بدأت الشكوك تراودني ولكن لعلاقة إبراهيم بعائلتنا استبعدت كل الشكوك .
طلب مني إبراهيم ناهرا أن أترجل . وما أن وطئت قدماي رمل الصحراء الملتهب ، حتى سل إبراهيم سكينه أمام وجهي قائلا :
- لقد سعيت إلى حتفك بظفرك . الآن احفر قبرك بيديك .
نظرت لإبراهيم وأنكرت عيناي منظره !! كانت عضلات وجه ترتجف !! لا بد انه يعني ما يقول .. ولأول مرة في حياتي أشعر بالخطر من إبراهيم .لو سئلت في تلك اللحظة ماذا أتمنى؟ لقلت جرعة ماء ثم الموت !!
قلت بصوت آت من حنجرة جافة :
-
إنني أترجاك يا إبراهيم .. ارحمني .. أنت تعلم مَعَزَّتك عندي ، ولهذا لم أخبر أحدا . لا أحد البتة يعلم بهذا الأمر ، كما قلت لك من قبل إن سرك في بئر .
- إنك تكذب .لابد انك أخبرت بعض الأولاد ، الآن أخبرني ، من من الناس أخبرت ؟
- أقسم بالله العظيم لم أخبر أحدا.
- هيا استمر في الحفر لأنتهي من أمرك سريعا
.

بدأت في البكاء وأنا أزيح الرمل من القبر الموعود ولم أستطيع أن أحفر أكثر من قدم أو قدمين . وفي لحظة يأس حاولت الهرب ولكن هيهات ، لقد تعثرت رجلي تحت عصا إبراهيم التي رماها نحوي كأنه يصطاد غزالا.
قال إبراهيم بوعيد أشد:
- لن تفلت من يدي .أخبرني من غيرك يعرف ؟
قلت بين دموعي :
اقسم لك بالله ألف مرة : لا أحد .. لا أحد
- إذا أخبرتني قد أعفو عنك . ألا تريد أن تعيش ؟
- أرجوك صدقني ،، لقد أقسمت لك.
- كيف أعرف أنك تقول الحق ؟
- يجب أن تصدقني ، إنني لم أخبر أيٍ كان .. لا إنسان ولا حيوان حتى كلبنا جون ووكر لا يعرف .
ثم أضفت :
- أنت وجميلة أصدقائي ، فلماذا أكشف سركما ؟ وهو أمر لا يهمني في شيء، ولا يهم غيري ، إنه أمر يخصكما وحدكما .
- ولكن ، لماذا كنت تتجسس علينا كل هذه المدة ؟
- هذا فضول مني .لقد مضت ستة شهور منذ أن رايتكما أوَل مرة، فهل سمعت ما يدل على كشف السر ؟ وحتى إذا سمعت ، فأنا لست المصدر.
- هيا.. هيا احفر
- إذا عفوت عني ، سوف أكون عينا لك وآتيك بأي كلام يقال في هذا الموضوع .
- لماذا جئت لتخبرني ؟
- لأنك رأيتني.
- سوف أصدِقك ، ولكن إذا سمعت أي كلام من أي جهة ، فسوف أحاسبك أنت . ويومها لن ينفعك قسمك الكاذب
.

لم أصدق بأني نجوت من الموت ، فقد كان إبراهيم يرغي ويزبد من الغضب . وأخيرا عاد لإبراهيم وجهه الذي أعرفه منذ وعيت الحياة . صحبني إبراهيم إلى القرية ليعطيني اللبن والزبد .
سرنا نحو حلة كنور وأنا أخُر في عرقي والشمس ترسل لهيبها من فوقنا ومن تحتنا . عند وصولنا إلى بيت إبراهيم ،و ما إن رأيت الزير (جرة الماء) تحت أحد الأشجار حتى هرولت نحوه ،ولكن إبراهيم أوقفني محذرا : (لا تشرب كمية من الماء البارد دفعة واحدة ولا تصبه على رأسك ) .وقدم لي بدلا عنه قرعة مملوءة بالروب هذا هو إبراهيم الذي أعرفه .. إنسان مفعم بالعطف والأبوة .
زودني إبراهيم بالزبد والحليب و اردفني على الحمار مع ابنه ليوصلني وهو في طريقه ليسد نوبته المسائية بمصلحة السكة حديد .وفي الطريق راودني ابن إبراهيم عن نفسي وتحولت مراودته إلى تهديد ، فما كان مني إلا أن أوقعته من على ظهر الحمار وأغتاظ من ذلك وضربني على رأسي بعصاه التي يسوق بها الحمار ، ركب حماره وتركني في الطريق لأكمل رحلة ثلاثة أميال مشيا في هجير تتصدع منه الأحجار وتنوء من تحته الرمال .

**


وصلت بيتنا وأنا في غاية التعب والإعياء ولم استطع أن أنام ليلتها .أخذت أعيد شريط هذا اليوم العاصف.في صبيحة اليوم الثاني لم استطع الذهاب إلى المدرسة لأنني أصبحت والحمى تعض في جسدي. في المساء ساءت حالتي وتجمع الأهل والجيران حولي وهم في غاية القلق . ذهب والدي لمقابلة الطبيب الإنجليزي وعاد بدواء للملاريا وأقراص أسبرين.في صباح اليوم التالي دخلت في غيبوبة وبدأت الوالدة ونساء الحي في النواح علي، وإن بعض المتسرعين أرسلوا للقسيس ليستعد لقرع جرس الكنيسة إعلانا للنبأ ودعوة لحضور القداس .
انتشر خبر مرضي في جميع أنحاء عطبرة سكة حديد وجزء من عطبرة البلد حتى وصل لأذن الطبيب الإنجليزي ، فجاء إلى منزلنا بصحبة زوجته كبيرة الممرضات بالمستشفى . بعد الفحص أعلن الطبيب أن الولد يعاني من ضربة شمس حادة وإصابة بالرأس لا يعرف لها مصدر .أمر الطبيب بنقلي من الغرفة إلى فناء الحوش وكتب وصفته وأمر أن توضع رجلي في الماء البارد .

**


في اليوم الخامس قال إبراهيم أن عينا شريرة قد أصابت الولد ولا بد من عمل رقية له. أخذني إبراهيم إلى إحدى الغرف وأغلق نوافذها بعد أن أخلاها من الناس .ثم قام بحرق بعض البخرات مع لبان البخور واللبان المر وقام بوضع المبخر تحت طيات ملابسي حتى يصل الدخان إلى جميع أجزاء جسدي . أثناء ذلك كان إبراهيم يتكلم كلاما طيبا وأكد على صداقتنا وأخبرني بأنه قام بجلد إبنه عقابا على تصرفه معي .
بعد البخور قام إبراهيم برسم علامة الصليب على كل أجزاء جسدي .إبراهيم مسلم ملتزم ولكن رسم الصليب من الممارسات الطقوسية على طول النيل الشمالي ومنها رسم صليب من الكحل للمولود الجديد وهذا من جراء التأثر بالثقافة المسيحية التي سادت المنطقة في السابق وأسست لها ممالك ( علوة والمقرة) قبل ظهور السلطنة الزرقاء. إنني أصدقكم القول إذا قلت لكم إنني شعرت بالتحسن بعد رقية إبراهيم .
أخذ إبراهيم شيئا محروقا من المبخر ليريه الناس خارج الغرفة قائلا : ( هذه هي العين الشريرة التي أصابته ، لقد أخرجتها ) . قابل الناس كلام إبراهيم بالفرح والثناء عليه وعلى مقدراته.
بعد أربعة أسابيع تماثلت للشفاء تماما وقام الأهل بعمل كرامة ( الكرامة وليمة لمناسبة سعيدة ).

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(19)


عطالة



في إحدى أيام ينائر عام 1934م قدم إلى مدرستنا من القاهرة خمسة من مفتشي التعليم . في أحد أيام الزيارة دعيت إلى مكتب المدير جرجس أفندي بطرس فوجدت هناك مجموعة المفتشين ومعهم المدير وبعض المدرسين منهم الشيخ غيث مدرس اللغة العربية ووجدت أمامهم كراساتي وتقاريري المدرسية . ابتدرني أحدهم قائلا : ( إنك من المواليد ويحق لك الالتحاق بكلية غردون التذكارية .) .بعدما حكيت لهم حادثة مقابلتي أنا والوالد للمفتش الإنجليزي ، استغربوا الأمر وعلق شيخ غيث قائلا : ( فرِق تسد)
في الجمعة التالية ألقى الشيخ غيث في مسجد المدينة الواقع قرب ميدان الموالد خطبة شهيرة رحّل بعدها إلى مصر مع المفتشين الخمسة ومدير المدرسة .

**


بعد ثلاثة أسابيع من سفر الناظر جرجس وشيخ غيث ، حضر البديل لهم من أقباط مصر ولكنهم كانو الشر بعينه !! لقد عانيت من معاملتهم ما عانيت .خاصة مدرس العربي عبده أفندي ، لقد صحت فيه عندما فاض بي الكيل قائلا : ( إن الشيخ غيث والناظر جرجس لا يفعلان مثلكما ، لقد أصبحت هذه المدرسة لا تطاق ) ثم قفزت من الشباك مهرولا إلى منزلنا وكان هذا آخر عهدي بمدرسة الأقباط بعطبرة .

**


بدأت البحث عن عمل منذ صباح اليوم التالي من تركي للدراسة . لقد حفيت قدمانا أنا وعزيز _الذي هجر الدراسة بدوره – في سبيل البحث عن عمل . وأخيرا جاء الفرج بإيجاد وظيفة في استراحة السكة حديد التابعة لمصلحة المرطبات وهي عبارة عن فندق ذي مبنى أنيق ، يختفي خلف الأشجار في الحي الإنجليزي وكل نزلاءه من الإنجليز .
استلمت الوظيفة وأخذت التعليمات السخيفة من السيدة الاسكتلندية المسئولة عن الاستراحة : لا تصافح ، لا تطلب بقشيشا ،التزم بزي العمل ، استحم ثلاثة مرات في اليوم و… و… .
أبديت الموافقة والرضوخ لكل التعليمات .أعطيت وجبة إفطار لا يزال طعمها الشهي عالقا بفمي . ولكن بعد ساعتين أخبرت بأنه قد صُرِف النظر عن تعييني لأن المطلوب للوظيفة ولدا أسودا !! هكذا تقول اللوائح !!
وقد شاء القدر أن أعاني التفرقة في العمل كما عانيتها من قبل في الدراسة .
صرت عصبي المزاج ، كثير المشاكسة في البيت وفي الشارع . لقد فَتَّ عدم العمل أعصابي ومزاجي _ لا يقدر معاناة عدم العمل إلا من ذاقه _ أكثرت من صلواتي وذهابي للكنيسة من أجل العمل . كنت تجدني أحيانا مثال المؤمن المتدين ثم انقلب إلى متشكك . في أحد الأيام أعطاني الوالد قرشا لأضعه في طبق النذورات ولكن بدلا من ذلك أدخلت يدي في الطبق وأخذت شلنا كاملا وكاد عزيز أن يموت من الهلع عندما رآني أفعل ذلك ولكنني طمأنته متفلسفا : (هذا مال الرب وهو القائل لئن شكرتم لأزيدنكم ) . وفي المرة القادمة وضع عزيز قرشين في الطبق ولكن أخذ بدلا منهما شلنين .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(20)


نورة


سوف أعود بكم إلى أربع سنوات مضت لأحكي لكم قصة نورة خادمتنا المنزلية :-
في أحد الأمسيات من تلك السنة حضر شحاذ طاعن في السن ، ضرير العين إلى منزلنا ، تقوده بنته ذات الستة عشر ربيعا . عندما داهمهم الظلام أمام منزلنا سمحنا لهم بأن يقضوا الليل في سرير أبي الموضوع أمام المنزل. صحونا صباح اليوم الثاني وبلغنا أن ذلك الرجل قد توفاه الله ، تاركا إرثا مقدرا بعشرة جنيهات وهي ثروة بمعيار ذلك الزمن . آوينا الفتاة في منزلنا حتى نجد لها حلا . في ذلك الوقت كانت أسرتنا المكونة من ولدين وبنتين ، أسرة تنمو وتزداد متطلباتها، ورغم ذلك لم يتردد الوالد لحظة في استضافة نورة .ولما لم يسأل عنها أحد استمرت نورة تعمل معنا كخادمة منزلية وقد تعلمت فن تدبير المنزل من أمي وردة .
فارقتنا نورة إلى مصر بصحبة زوجها المصري عباس وهو عامل مصري أبعد إلى مصر وقد قام العم فانوس بتدبير هذه الزيجة لها . ولم ينسى الوالد عند الوداع أن يدس لها مبلغ العشرة جنيهات وهو المبلغ الذي وجد مع والدها عندما حضرته الوفاة.

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(21)

الأعمام


دعني أكتب لكم قليلا عن الأعمام ديمتري وفانوس لتأثيرهم الكبير على حياتي :-
ديمتري هو زوج خالتي عائدة ، ولد في مكان ما.. في يوما ما.. في السودان _ كان الناس في تلك الأيام وإلى قريب من هذا الزمن لا يهتمون باستخراج شهادات الميلاد _ تلقى تعليمه في كلية غردون وعين مترجما بمكتب السكرتير الإداري . كان فرحا بهذه الوظيفة لأنها تتيح له الاطلاع على كثير من المعلومات التي تشبع رغبته الطامحة إلى المعرفة .كانت علاقته مع كبار الموظفين الإنجليز تتيح له استعارة بعض الكتب والدوريات ، ولكن لم يتم هناءه بهذه الوظيفة فقد تم نقله إلى وظيفة أخرى بعطبرة ، حيث وجد في مكتبة النادي المصري مرتعا خصبا لإشباع نهمه للمعرفة .تولى سكرتارية النادي وفي عهده عرفت عطبرة النشاط المسرحي .كان يشاغب السلطات الإنجليزية في مسرحياته مما تسبب في إبعاده إلى مصر. لكنه احتج على ذلك بأنه سوداني وطالب بتعويض قدره مائة جنيه ، إضافة لمعاش شهري ثابت . ترك زوجته عائدة في السودان ومعها مبلغ المائة جنيه وغادر إلى الأقصر حيث مكث بعض الوقت ومنها للقاهرة حيث التحق بوظيفة مع وكالة السودان بالقاهرة التي كانت في حاجة إلى مترجم ممتاز . صار يحضر للسودان في مهمات تتعلق بعمل وكالة السودان .ثم استقر أخيرا في عطبرة . كان معتدا برأيه ، لا يكتمه حتى مع رجال الإدارة الإنجليزية .أذكر أنه عندما كان رئيسا للجنة المدرسة القبطية قد رفض طلبين للإدارة الإنجليزية يتعلق الأول بقبول أبناء الفلاتة بالمدرسة والثاني بدفع رواتب أعلى لبدلاء للمعلمين المبعدين .
ولد العم فانوس في اسناء وهو كذلك ليس له شهادة ميلاد وكذلك تخرج من كلية غردون ثم ابتعث لمصر لدراسة المحاسبة ليكون محاسبا للمؤسسة الزراعية السودانية التي يتبع لها مشروع الجزيرة .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(22)



صبي خبَّاز



أخيرا وجدت وظيفة في مخبز إفرنجي براتب وقدره جنيها واحدا في الشهر مقابل العمل أربعة عشرة ساعة في اليوم ، إضافة لذلك كنت أمنح رغيفا يوميا ، كما كان يسمح لي بأكل رغيف من الخبز الذي لا تنطبق عليه مواصفات البيع وكان صاحب المطعم الإغريقي يسمح لي بأخذ الخبز الناشف .
يبدأ العمل في المخبز في الخامسة صباحا . كنت أقوم بحصر كل الإنتاج وآخذ منه ألف رغيفا في سلة كبيرة (قفة) وأضعها على دراجة هوائية لأبدأ التوصيل للمنازل . كان عليَ أن أخدم أكثر من مائة شخص جلَهم من الإنجليز . فقد كنت وزميلي زكي نعمل خمسة رحلات في اليوم ،لنوزع آلاف الأرغف .كنا نبيع لكل من يستوقفنا في الطريق بسعر قرشا لكل قطعة .كان السودانيون يتكالبون على الخبز الأبيض – وهو الأغلى سعرا – بينما الإنجليز يفضلون الخبز الأسمر.هناك مخبزان آخران في المدينة ،شروط العمل فيهما تكاد تكون متطابقة. وكذلك نوعية الخبز ، ولكن مخبز مخدومنا الإغريقي يزيد عليهم بعمل الخبز الأسمر لمقابلة طلب الإنجليز .
كنت أعود لبيتنا حوالي الساعة السابعة مساء لأتناول عشائي ثم أذهب للنوم لأصحو قبل الخامسة للذهاب لعملي ، لذا كنت نادرا ما أرى اخوتي أو أحدا من أصدقائي عدا كلبنا جون ووكر الذي يتبعني إلى عملي ذهابا وإيابا .
احتفالا بأول راتب ذهبت مع الوالد إلى البقالة الإفرنجية لشراء زجاجة بيرة فاخرة بمبلغ خمسة شلنات . بعد العودة للبيت وبينما نحن نتناول طعامنا في صمت كسره صوت أمي وردة وهي تجهش بالبكاء : ( صبي خبَاز !!! ، أبني أنا .. صبي خبَاز !! ) ثم نفضت يدها من الطعام وذهبت لسريرها لتبكي في صمت . غصَ الطعام في حلوقنا وتوقفنا عن الأكل .قمت أنا بتنظيف الطبلية (السفرة ) وأخذت باقي الطعام لأضعه في النملية (لا نملك ثلاجة)

**


عند بداية الشهر الثالث سمح لي صاحب العمل أن آخذ إجازة أسبوعية ، فاخترت يوم الأحد . وفي أحد الآحاد ذهبت للكنيسة الكاثوليكية .هناك قابلت الراهبة التي درَستني طفلا ، حيتني الراهبة وأثنت على اجتهاد أختي خالدة . ثم استدركت قائلة : ( مبروك !! لقد صرت رجلا عاملا..هل أنت سعيد في عملك ؟ ). وعندما أجبت بالإيجاب قالت : (يالك من كذاب صغير!!إن مكانك مدرسة كمبوني بالخرطوم ، سوف أتكلم مع والدك في هذا الأمر .الآن اذهب للأب تومازينو ليصلي من أجلك ).

**


بنهاية الشهر الثالث بدأت تبدو عليَ علامات اليأس والقنوط وعدم الرضا ،بالرغم من المعاملة الطيبة من صاحب العمل وبقية العاملين . كنت أشعر كأني محبوس داخل قفص ،خاصة عندما أتصفح المجلات الإنجليزية المصورة . لقد كانت تمتلكني رغبة جامحة في مغادرة السودان والسفر لتلك البلاد .قال لي زميلي زكي ناصحا :
- إذا كنت تود الذهاب إلى هذه البلاد ، تعلَم لغتهم.
- هل تعلمت أنت اللغة العربية قبل مجيئك من غرب إفريقيا ؟
- إنني لست في حاجة إلى ذلك ! ، يمكنني أن أتكلم لغتي في أي مكان في السودان . ونحن الآن أكثر من نصف سكان عطبرة.
- إذا سوف تهيمنون على المدينة في المستقبل القريب.
- و سوف نأكلكم أكلا .
ثم أضاف ضاحكا :
- ما ألذَ اللحم الأبيض .

**


في أحد أيام شهر يونيو عام 1934م ، أيام الحرب الإيطالية –الحبشية ، ا أخبرني أبي بأنني سوف التحق بمدرسة الأقباط بالخرطوم _ صرف النظر عن مدرسة كمبوني بتوجيه من مستر جولدبيرج _.
بعد أسبوعين أخذنا أنا ووالدتي و أخوتي القطار ( كانت أمي حبلى في شهرها السابع وهي في طريقها لتضع مولودها بمنزل الأسرة بود مدني ) إلى الخرطوم . وكنا تحت رعاية واهتمام مبارك أفندي فضل الله كمساري التذاكر وصديق الوالد .
بدأت الرحلة في الصباح الباكر وبعد شروق الشمس بدأت ملامح الفقر تفصح عن نفسها . الأرض جرداء ، لا يوجد سكان شرق الخط الحديدي . الهياكل العظمية تلاحق القطار من أجل فتات من الخبز ، إنها نفس المشاهد التي ذكرتها لكم في رحلتي من أبى حمد لعطبرة عند رحلة العودة من إسنا .
توقف قطارنا لمدة نصف ساعة في مدينة شندي عاصمة الجعليين . لفت نظري بعض النساء العجائز وهن يجتهدن لبيع الروب في سعون جلدية (قرب) .
عندما قمت برحلة في هذا الطريق عام 1986م- أي بعد ثلاثين عاما من خروج المستعمر- تذكرت تلك الأيام الخوالي. بالرغم من ازدياد العمران فما زال الفقر والإهمال هما سيدا الموقف .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(23)


ود مدني : النبوءة


استقبلنا في محطة الخرطوم الخال لبيب . ركبنا الترام من أمام محطة السكة حديد في طريقنا إلى المسالمة بأم درمان .سار بنا الترام وسط السوق مرورا بالحلواني وكازينو كبَاتي ، كما توقف بالقرب من المدرسة القبطية ( التي سوف التحق بها بعد شهرين) وكذلك توقف قرب شركة النور والماء وجنينة النزهة (حديقة الحيوانات). ثم توقف بالقرب من اللأسكلة ( محطة المقرن للبواخر النيلية) ثم عبرنا على جسر النيل الأبيض إلى أم درمان، حيث نهاية الرحلة عند المحطة الوسطى. بالقرب من هذا المكان توجد سينما برمبل وبعض المقاهي والحوانيت والجامع الكبير وبنك باركليز وبعض سيارات الأجرة والحناطير وعلى العموم هي منطقة كثيرة الزحام ،خاصة لنا نحن القادمين من عطبرة .
يقع منزل خالنا لبيب في حي المسالمة شرق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومنزل القسيس .يتكون حي المسالمة من ثمانية صفوف من البيوت الطينية .نشأت حي المسالمة مسألة تستحق الذكر : عندما استتب الأمر للمهدي وصار لا ينازعه أحد في حكم السودان، جمع له جميع القبط ،وجئ بهم لأم درمان . منحت كل عائلة أرضا لتبني عليها منزلها وقطعة أخرى على ضفة النيل الأزرق للزراعة ،وصاروا يعرفون بالمسالمة أي الذين اعتنقوا الإسلام ،كما يوجد عدد من المسالمة في الخرطوم في المنطقة حول الكاتدرائية القبطية الحالية . في غياب الكنائس شجع المهدي كثير من القبط والأوربيين لاعتناق الإسلام لذا بعض عائلات المواليد اعتنقت الإسلام في حماس وبعضهم صار من المؤذنين . وبعضهم اعتنق الإسلام رياء" . من القصص التي تحكي في مجتمع المسالمة عن ذلك القبطي الذي اعتنق الإسلام حتى أوكل إليه القيام بأمر المسجد والآذان ، ولكن لحظه التعس فقد شاهده أحد الدراويش وهو يرسم علامة الصليب عندما مر بمكان الكنيسة المهدمة . قبض على القبطي التعيس وجلد بالقرب من مكان الكنيسة وطلب منه أن يتوب ويلعن الكنيسة ، فاستجاب راضخا .بعد ذهاب الدراويش التفت القبطي إلى الكنيسة المهدمة قائلا : ( إن ما في القلب في القلب يا كنيسة مسيحنا العزيز) .
سألت الخال لبيب عمَّا إذا كان هناك مهاجرون من غرب إفريقيا ، رد الخال ضاحكا : ( نعم , وأعدادهم في ازدياد . لقد علمت بصداقتك معهم.. إنهم يتمركزون في غرب أم درمان وقد حقق بعضهم ثروة مكنته من الانتقال إلى أحياء أم درمان الأخرى ).
جاء الجيران لتحيتنا والتعرف علينا ، ومن بينهم اختار القدر اثنين منهم ليلعبا دورا كبيرا في حياتي هما فؤاد و أخته عزيزة .

**

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
في اليوم السابع اصطحبنا الخال إلى محطة السكة حديد بالخرطوم لنكمل رحلتنا إلى ود مدني . بعد أن زودنا بالطعام كأن الرحلة سوف تستغرق عدة أيام . ولم ينسى الخال أن يرسل معنا هدايا للحبوبات .
هذه هي زيارتي الثانية لود مدني . كان استقبال أهلنا في مدني جياشا بالمشاعر وخاصة بالنسبة لأمي وردة التي تحب و تقدس ود مدني .لقد استضفنا في الغرفة التي ولدت فيها أنا ووردة وأخي رمسيس والتي يرجع أثاثها إلى عهد الجد مكوجي .أقاربنا في مدني كثر وأذكر منهم بالإضافة للحبوبات , أعمام وردة الثلاثة والذين يجب أن نناديهم بلقب جدي ,أخو وردة الخال جاد الرب وأزواج أخوات وردة نجيب ، كامل وأسعد. جاد الرب يعمل مترجم ونجيب فني وكلاهما يعمل في مشروع الجزيرة.كامل يعمل نجارا وله ورشته الخاصة ، أما أسعد فيملك حانوت صغيرا يديره بنفسه . في إجازتي كنت أكثر من الجلوس أمام حانوت الخال ، أراقب الزبائن ذكورا وإناثا من كل الأعمار .كانت القوة الشرائية ضعيفة لذا تجد الشراء بكميات قليلة _قرشا ونصف قرش أحيانا وكانت حركة الشراء من الضعف بحيث تمكن الخال من أخذ غفوة على العنقريب (سرير من خشب وحبال) أمام الدكان تحت شجرة النيم . كل هؤلاء الأخوال لا يملكون إلا ما يسد الرمق ولكنك تجدهم قنوعين مطمئنين إلى حياتهم .
لا يختلف سوق ود مدني عن أسواق أم درمان و عطبرة كثيرا. ينقسم السوق إلى عدة أقسام حسب النشاط ويسمى كل قسم زنكا فتجد مثلا زنك الخضار ، زنك اللحم وزنك الخردوات .
كانت ليالي الأنس تعقد يوميا في حوش مكوجي وذلك بمناسبة قدومنا . كان فرح الحبوبات بإجازتنا كبيرا ، وأذكر أن حبوبة خالدة ، التي تنتمي إلى قبيلة الجعليين _ استنبط ذلك من الشلوخ التي على خديها _كانت تحتضنني كل صباح وتشمني وتفعل ذلك عند عودتي من الخارج .لا أذكر أبدا أن الحبوبة قد قبلتني وعلمت فيما بعد أن الشم هو عادة جعلية تقابلها القبلات في مجتمع المواليد .في أحد ليالي الأنس خطر لي أن أحكي لهم الحلم الذي رأيته بالأمس .ما أن بدأت أحكي حتى كان الجميع آذانا صاغية : ( رأيت فيما يرى النائم إنني أحمل مقشاشة ( مكنسة من سعف الدوم ) وأقوم بكنس حوش منزل الجد مكوجي .كنت كلما أكنس يظهر لي مبلغا من النقود من مختلف العملات وكنت أجمع الفلوس ثم أعود للكنس وتظهر لي مبالغ أخرى و تابعت الكنس والجمع وأنا في غاية التعب والعطش) ورأيت في الحلم ( إنني أعطي معظم المبلغ لوالديَ واخوتي ) ( وقد أعطيت مبلغا للوالد قائلا له :{إن أمي ستضع بنتا !! خذ هذا المبلغ للمولود الجديد} ثم أعطيه مبلغا آخر قائلا :{ إن أمي سوف تضع بنتا ثالثة بعد سنتين !!} وما أن وصلت نهاية الحلم حتى صاح الجميع : ( وردة سوف تضع بنتا .. سوف تكون بنتا ..) وبعد أسبوع من الحلم أهدت لنا وردة أختا ثانية سميت سمسمة !.
في اليوم التالي للحلم ذهبت مع الخال نجيب لمكان عملة بورش مشروع الجزيرة . لقد سعدت بمساعدة الخال وهو يفكك إحدى المكائن ، فقد كنت أساعده بغسل الأجزاء المفككة بالكيروسين .
عرض عليَ مراقب الورشة الإنجليزي تعييني في وظيفة تلميذ صنائعي مع الخال ، مقابل مبلغ ثلاثة جنيهات في الشهر . لقد أثلج هذا العرض صدري ، ووافقت على الفور .كما أن الخال شجعني قائلا :( إن هذه المهنة تناسبك وقد راعى المراقب تعليمك فعرض عليك ثلاثة جنيهات بدلا من جنيها واحدا ) ثم أضاف : ( أراهن أن أيوب سوف يرفض ولكن .. سوف نحاول .. سوف أرسل له برقية اليوم ).
في اليوم التالي دعانا المراقب الإنجليزي ليشرح لنا مهام الوظيفة ومستقبلها ، واشترط علينا موافقة مكتوبة من ولي الأمر . ألحق الخال برقيته للوالد بخطاب واف شرح له كل الأمر وطمأنه إنني سوف أكون تحت رعايته .
بعد أسبوع وصل رد الوالد … لقد رفض .. . لقد امتلكني الغضب وكل من حولي وخاصة الخال نجيب الذي لم يملك أعصابه عندما وصف الوالد : ( أيوب غبي … أيوب أحمق … أيوب متسرع .. أيوب لا يكترث برأي الآخرين من حوله ).
اتفق معي الخال أن لا نخبر المراقب إلا قبل سفري بيوم ،حتى لا أمنع من دخول الورشة .. وقد كان .. قبل سفري بيوم أخبرنا المراقب برفض الوالد. ما أن سمع المراقب الخبر قال في اشمئزاز بائن : ( والده سخيف ، إن أداء الولد المدرسي دليلا واضحا بأنَنا قدمنا له الأفضل ) ثم أضاف وهو يودعنا ( إنها مأساة).
كانت حبوبة الشول ملح ليالي الأنس وذلك لقراءتها الطالع برمي الودع . في اليوم الأخير من إجازتنا أعلنت الحبوبة بأنها سوف تقرأ طالع الولد صوص في جلسة خاصة. كان حضور تلك الليلة من الأهل كثيفا ، حتى الخال أسعد أغلق حانوته وجاء ليشارك .
ابتدرت الحبوبة الكلام قائلة : ( منذ مجيئكم من عطبرة وأنا استشير ودعي عن مستقبل عزيزنا صوص ، وحان الوقت لأعلنه لكم ) .ثم قامت برمي الودع خمسة رميات سريعة متتابعة وهي تهمهم بين كل رمية وأخرى كأنها تخاطب الودع ، ثم أجلستني أمامها وتنحنحت – وهنا صمت الجميع _ ثم قالت بعبارات فصيحة و صوت عميق وواضح لم تمسه الشيخوخة إلا مسا خفيفا : (يا ولدي … لقد كانت لك طفولة سعيدة ، فعلت فيها الكثير مما ترغبه ولكنك لن تصل دائما لمبتغاك ، ولكني أؤكد لك بأنك لن تعطي كل قلبك لامرأة واحدة .إنك صديق وفي ولكنك لست بزوج مخلص في الغالب . سيحدث أن تعطي قلبك لامرأة واحدة ، ولكن لزمن قصير بسبب أحداث مأساوية ). قالت حبوبة ذلك والدمع يكاد يطفر من عينيها . أعادت حبوبة رمي الودع ثم نظرت إليَ مليا وقالت كأنها تقرأ من كتاب مفتوح : (سوف تعيش إلى ما بعد السبعين بقليل و تموت غريبا في أقاصي الدنيا ولن يحضر أحدا من أهلك وفاتك وسيسمعون بها بعد مرور بعض الوقت ).
لملمت الحبوبة شتات ودعها ووضعته هنيهة في قبضة يدها المتغضنة بفعل الشيخوخة ثم رمت به إلى الرمل المفروش أمامها ثم قالت : (ستحوز تعليما ممتازا ، أفضل من كلية غردون بمراحل ، سوف يستفيد أهلك والكثيرين من ثمار جهدك . سوف تعيش في يسار ولن تشكو الفاقة أبدا ،ولكنك سوف تعاني من سوء فهم الآخرين لك) وفي رمية أخرى قالت : (سوف تكون شابا لعوبا منطلقا ،ولكن سوف يتغير ذلك بعد الأربعين، فستصير رجلا حكيما متسامحا ذو قلب كبير ) . قالت في إحدى الرميات : (على الرغم من حرصك لإسعاد الآخرين ، لكنك تبدو أنانيا في بعض الأحيان )
ما إن انتهت حبوبة من قراءتها حتى ترامت التعليقات من كل صوب : ( تعليم أفضل من كلية غردون !! أين هذا التعليم ؟ ) وقال آخر مهاذرا : ( الشول اختلط عليها الأمر لأنها في عز شيخوختها )
الآن مضت خمس وأربعون عاما من تلك الجلسة وأنا جد مذهول لأن كل ما تنبأت به حبوبة قد تحقق كما سترى في بقية الفصول .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(24)



مدرسة الاقباط الخرطوم 1934 م



عدت من مدني لأم درمان لالتحق بمدرسة الأقباط بالخرطوم .كنت اسكن مع خالي لبيب بحي المسالمة. نستغل كل صباح الترام سويا من أم درمان للخرطوم ، لأنزل أنا قرب المدرسة في مكانها الحالي في شارع غردون (الجمهورية الآن) ويواصل الخال لمدى محطتين إلى مكان عمله .
لقد قبلت بالسنة الثانية .بعض الأولاد يبدون أكبر مني سنا ، ولكن الغالبية تصغرني بثلاثة سنوات تقريبا .
من البداية لم أحب ذلك الجو المدرسي . لقد نشأت وترعرعت في أحضان مدينتي الحبيبة عطبرة ، وقضيت سنوات الدراسة السابقة هناك بين أهلي وأصدقائي .. كل ذلك مقدور عليه ولكنني قدصنفت ضمن القسم التجاري ،واستبعدت من القسم العلمي .هذا يعني أنني لن أستطيع مواصلة تعليمي بالقاهرة ، فالقسم التجاري أنشئ لتخريج كوادر كتابية في أسفل السلم الوظيفي . المناهج والتجهيزات مشابهة لمدرسة عطبرة ، ولكن المدرسين _ والحق يقال _ من المستويات الممتازة وخاصة مدرس الرسم ، إنه رسام موهوب بمعني الكلمة ، يجعل السبورة لوحة رائعة في ثواني مستعملا الطباشير فقط . كان خفيف الروح يشيع جوا من البهجة والحبور بظرفه . مدرس الحساب كان عجوزا شبه أعمي لكنه قوي الجسم يجيد الحساب والضرب بالعصا . كان تدريس المواد باللغة العربية وكان مدرسنا العجوز بالكاد يتكلم الإنجليزية .
حدث يوما أن تغيب مدرس اللغة الإنجليزية السوري وجاء مدرس الحساب ليسد غيابه .جاء يحمل كتابا من المنهج الابتدائي ،وطلب منا الاستعداد لأخذ درس الإملاء الإنجليزية . ما أن أكمل الجملة الأولى من الإملاء حتى ضج الفصل بالضحك ، هز الضحك أركان المدرسة وحضر الناظر مهرولا لفصلنا ليستطلع الأمر . وفي الحال أعلن الناظر العقوبة : الحبس لمدة ساعة والجلد في الطابور الصباحي . ما أن أعلن الناظر حكمه حتى طلب من المدرس أن يواصل الدرس . ما إن أكمل المدرس جملته : ( zee frojji wa,atid to blay binjj bonjj in zee kinjees bal-lass in hanjj konjj( ) دخل الناظر الفصل ولسان حاله يقول : ( الحق معكم ) . أمسك الناظر الكتاب وقرأ لنا الجملة : (the frog want to play ping pong in the king’s palace in hong kong)

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
بعد نهاية اليوم الدراسي تربص لي ستة من أولاد المدرسة _ من بينهم ابن بشاي أفندي مدرس الحساب - بحجة إنني البادئ بالسخرية من المدرس العجوز .دخلت مع هؤلاء الأولاد معركة خاسرة وكانت النتيجة تمزيق قميصي وكتبي وكدمات على وجهي .كأن ضربي أصبح الشغل الشاغل لهؤلاء ، فقد صرت أضرب يوميا ويمزق قميصي الجديد كلما استبدلته . أبلغت المدير والوكيل وضابط النظام ولكنهم مستمرين في غيهم . أخذ خالي لبيب كل قمصاني وكتبي الممزقة وأراها للجميع ولكن أسمعت لو ناديت حيا . فما كان منه إلا أن نصحني قائلا : { تعلم أن تحمي نفسك }
كان حسن أحد أبناء الفلاتة يجلس يوميا تحت ظل شجرة مقابلة للمدرسة لبيع البلح والدوم للتلاميذ . كان شاهدا على معظم المعارك الدائرة بيني وبين الأولاد ، كان يتدخل لإنقاذي وأحيانا الجأ إليه عندما يشتد الوطيس . كان ينصحني بالمقاومة والثبات . كان يقول لي : ( كن رجلا وأحم نفسك ) وعندما قلت له لا تكافؤ بين واحد وستة قال لي : ( يمكنك أن تهزمهم بالحيلة ، املأ جيوب قميصك بالملح و الشطة ، اقذفها على عيونهم وبادر بضربهم ، اضرب اثنين أو ثلاثة منهم وسيفر الباقون ) .
استمر الجحيم اليومي الذي لم أعهده في عطبرة بلد الأمن والسلام . وأخيرا قررت أن أحارب ..لا شجاعة مني ، ولكن بلغ اليأس مني مبلغا لا أملك معه إلا أن أحارب . بدأت في إعداد قوتي : اشتريت الملح و الشطة من حاجة حفصة الفلاتية وأحضرت قناة من الخشب بطول واحد قدم ،بريت رأسها لتكون كالحربة وعملت لها مقبض من حبل الكتان لألفه على يدي حتى لا ينزع مني سلاحي وينقلب السحر على الساحر . أخبرت حسن بساعة الصفر ، ولكن لدهشته وجدني احتمي به بعد نهاية اليوم الدراسي . سألني جلية الأمر فقلت له إنني انتظر أن يبدءوا هم بالعدوان. ما إن سمع حسن مرافعتي حتى هب كالإعصار : ( أنا لن أستطيع حمايتك في كل مرة .. يجب أن تأخذ بزمام المبادرة .. لا تجلس هنا بعد ذلك .. لن استقبل بنتا هنا مرة أخرى .. هاهم قادمون … أرني رجولتك !!).

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
كان ذلك يوما مشهودا ، لقد أصبت عشرة أولاد ، ستة منهم حجزوا بالمستشفى لعدة أيام . بعد كلمات حسن فقدت السيطرة على نفسي . استعملت الملح و الشطة بكفاءة عالية . أمَا عن العصا المسننة فحدِث ولا حرج : فقد استعملتها كالمسعور ، فقد كنت اطعن بها الخصم في الأماكن المؤذية والحساسة . كان الدم يتفجر منهم حتى صبغ الشارع ببعض النقاط . نصف طلاب المدرسة وكثير من المارة وقفوا ليتفرجوا ، حتى الوكيل وضابط النظام بالمدرسة كانا هناك .بتوجيه من ضابط النظام قام التلاميذ بعمل دائرة سميكة من أكثر من خمسين تلميذا ،حتى يحولوا بيني وبين خصمي .وقف حسن وسط الدائرة يصيح و يرش الماء على وجهي، وبعدها بدأت اهدأ وأعي ما حولي كأني كنت في نوبة جنونية وبعد ذلك صار حسن يصيح في مرح : ( الحمد لله لقد انتصرت ، لقد كسبت معركة كرري ) . ثم أخذ بيدي إلى مكانه المعهود قائلا : ( الآن يمكنك الجلوس بقربي) .وبعدها لاحظت قميصي الممزق وأنفي الدامي وكانت كل خلية في جسمي تنبض بالألم . ولم نمكث إلا قليلا حتى ظهرت الإدارة الإنجليزية في أرض المعركة ،ممثلة في مدير شرطة الخرطوم يرافقه مساعدوه من الضباط السودانيين ونفر من رجال الشرطة من أبناء الشايقية والهوسا . أخذنا إلى الضبطية ( مركز الشرطة) ومن هناك تم إطلاق سراحنا بكفالة مالية قدرها مبلغ خمسة جنيهات . استمرت التحريات المكثفة لمدة أسبوعين شملت حوالي ثلاثين شخصا منهم إدارة المدرسة وبشاي أفندي وآباء التلاميذ الآخرين والخال لبيب وحسن. بعدها وقفنا أمام المحكمة برئاسة مستر واطسون وهو إنجليزي وقور تفوح أبهة السلطة من أعطافه ، يساعده ثلاثة من العمد السودانيين يلبسون الملابس الوطنية . كان الخال أمام المحكمة مرتب الأفكار وكانت شهادته جد رائعة ، لقد أحضر معه قمصاني وكتبي الممزقة ووضع اللوم على إدارة المدرسة وآباء التلاميذ .. انعقدت المحكمة مرة أخرى بعد أسبوعين لإصدار الأحكام ، فقضت بغرامة قدرها جنيهان لكل أب من آباء التلاميذ مع التعهد بحسن السير والسلوك لمدة سنة ، كما غرمت إدارة المدرسة ستة عشر جنيها . وبرأت المحكمة حسن وخالي لبيب.عمت أخبار المعركة والمحكمة جميع أنحاء العاصمة المثلثة ووصلت عطبرة و ود مدني.
هذه الحادثة جعلتني قليل الأصدقاء . منهم صديقي سمير ، شاب قبطي طيب المعشر . كنا لا نفترق . كان سمير يعيش قصة حب مع إحدى صبايا القبط . كان لا يمل الكتابة إليها رغم إنها تعيش على مرمى حجر من بيته . كنت أجد متعة في الاطلاع على الرسائل المتبادلة بينهم ، بل كنت أقوم بكتابة الردود نيابة عن سمير وأزينها بأشعار العم فانوس .كنا طيلة أيامنا معدمين ولكن إذا وجد أحدنا نقودا كنا نقتسمها ونذهب سويا لأحد بيوت اللهو الذي تديره فتاة من بنات القرعان يقع بالقرب من طاحونة المعلم مقار .كنا دائما ما نسير على طول النيل الأزرق ونمر أمام تمثال كتشنر المنصوب أمام سرايا الحاكم العام مرورا بالكاتدرائية القبطية، حتي نصل إلى حلمنا القديم : كلية غردون التذكارية ، عند وصولنا إليها نتوقف عن الكلام ونقتل الحسرات في نفوسنا . لقد رأيت تيجاني و أبو بكر عيال البرنو من سكان عشش فلاتة بعطبرة وهم يتبخترون في طرقات الكلية كأنهم من أهل البلد ، لم أظهر لهم وتخفيت عنهم كما يتخفى المحب الآثم .لقد قلت لكم فيما سبق أن الحيلولة بيني وبين هذا الصرح قد ترك في نفسي جرحا لم تبرئه الأيام بالرغم من مستوى التعليم الذي حزته .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
في أحد الأيام استدعاني الناظر إلى مكتبه _ وهذا لم يحدث لي منذ التحاقي بالمدرسة _ هرولت نحو المكتب وألف خاطر وخاطر يلح في ذهني !ا يا ترى ماذا فعلت ؟ وجدت مع المدير قسيسا قبطيا ذا لحية كثيفة وجسم مكتنز . ( هذا هو الشر المجسم ) هكذا قدمني الناظر لقداسة القديس الذي رد ( إن الله قادر على كل الخطاءين حتى الذين في حالته )
وقفت أمامه وقد تأكد لي أن شرا يحيط بي .ابتدرني القسيس قائلا :
- اسمع يا ابني .. هل أنت مسيحي .
- نعم سيدي .
- لا .. أنت وثني !! كان يجب أن تنحني أمامي وتقبل يدي .
- آسف يا سيدي.
- كما يجب أن تخاطبني بكلمة أبي ،، هل تذهب للكنيسة في أيام الآحاد ؟ هل حضرت قداسا ؟ هل أنت معمَد ؟ هل تحضر مدرسة الأحد ؟
- نعم سيدي !! أقصد أبي.
- الكذب حرام .. كيف عرفت بأنك معمَد ؟ فأنت لا تملك شهادة تعميد أو ميلاد ؟ هل أنت مختون ؟
- نعم مختون ولكني لا أملك الشهادات التي ذكرتها .. حتى أمي وأبي لا يملكونها .
- حسنا .. يجب أن تهتم بواجباتك الدينية.. سوف نصلي من أجلك حتى يغفر الله لك خطاياك ، سوف نعمدك ، بعد ذلك سوف تحس بالبركات بنفسك .بارك الله فيك وغفر لك .
وقد تم لهم ذلك ..لقد عمِدت ولم أخبر خالي بذلك . كنت أمني نفسي بحدوث معجزة ، كان كل ما حولي يفضي للتدين . كل الأشياء التي صليت من أجلها لم تتحقق ، أشياء مثل : ملابس جميلة ’ مبلغ من المال ، أو أن أكون أول الفصل . مع مرور الأيام خفَ تديني وكانت فلسفتي في ذلك: أن الصلاة هي اعتقاد مفاده أن الله سوف يستجيب لكل رغباتنا ،ولكن ماذا إذا لم تتحقق تلك الرغبات ؟هنا يكون الاعتقاد في مهب الريح .هكذا كانت أفكاري في تلك المرحلة .

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(25)



قوَّاد !!! ؟



في شهر يونيو من عام 1935م أكملت عاما دراسيا .كان التقرير النهائي يمثل أقصى درجات الخيبة : تذيلت قائمة الفصل ، راسبا في كل المواد ما عدا مادة الرسم . كان القلق كبيرا عند خالي وزوجته وكان الخوف كبيرا من ردة فعل الوالد عندما يسمع بالخبر . تفاديا لذلك اقترحوا علي عدم السفر إلى عطبرة وأن اقضي الإجازة بين أم درمان و ود مدني . ولكنني رميتهم بقراري :
- يجب أن أبحث عن عمل .. يجب أن أكون مفيدا .
- ممتاز ‍‍ ‍‍!! هل تبحث عن عمل ؟
- لقد وجدته.
- ماذا !!؟؟
- مدير صالة غردون الموسيقية يحتاج لكاتب ، لقد عرض عليَ مبلغ أربعة جنيهات شهريا .
- وظيفة سيئة السمعة مقابل أجر ضئيل !!! يجب أن تبحث عن وظيفة أفضل , سوف أعاونك في البحث
- أنا على رأس العمل ق منذ أسبوعين.
- الآن فهمت سبب غيابك من البيت .يالك من ولد عاق ، دائما ما تسئ التصرف . سوف تكون نهايتنا على يديك .
إن راتبي الحقيقي ستة جنيهات .لقد قررت أن أنفذ برنامجا صارما للتوفير يبلغ ثلاثة جنيهات في الشهر . كان عملي ذا طبيعة مهنية متدنية .يبدأ في التاسعة صباحا إلى الساعة الواحدة بعد الظهر وفي المساء من الساعة السادسة إلى الساعة الحادية عشر ليلا . كان علي أن أصنف زجاجات الشراب المليئة والفارغة والمكسورة وأساعد في الحسابات والمكاتبات .
صالة غردون الموسيقية مخصصة للموظفين الإنجليز من المراتب الدنيا أما لكبار الموظفين فهناك نادي السودان. على بعد ميل جنوب الصالة هناك( بيت قزاز ) وظيفته مثل( بيت القزاز) بعطبرة ، أما الصالة فهي نادي ليلي وليست ماخورا ،بالرغم من عمل الفتيات الأوربيات بها ،ولكن وظيفتهن تقتصر على الإغراء وأن تجعل الزبون يشرب أكبر قدر من المشروبات.
تعيش فتيات الصالة في ثلاثة منازل لكل منهن غرفة منفصلة ، يقمن بطهي طعامهن بأنفسهن ولكن الأعمال المنزلية الأخرى يقوم بها خادم عجوز .من مهمات وظيفتي أن ارعَ شئونهن . كانت اللغة تمثل حاجزا بيننا لأنهن يستجلبن من أوربا الشرقية ،بعقد لا تتعدى مدته الثلاثة أشهر . كان من النادر أن تأخذ إحداهن رجلا إلى غرفتها ولكنني كثيرا ما آخذ بعضهن إلى منازل الإنجليز بحجة شرب الشاي أو تناول الغذاء ، كان بعض الإنجليز يعطيني شلنا واحدا مقابل هذه الخدمة - أن تكون قوادا فهي مهنة غير مربحة -.
بعد شهرين من عملي في هذا المكان أيقنت أنه ليس من المناسب العمل هنا بصفة دائمة ، ولكن لا بديل يلوح في الأفق . لقد بدأت أفكر جديا في اقتراح إحداهن بالذهاب معها إلى بلغاريا ، لقد أمدتني بعنوانها وعنوان أهلها هناك .كنت أقتر على نفسي لأجمع مبلغا من المال . كان خالي كريما معي ، لم يقبل مني أيُ مساهمة مالية .في أحد المرات قال لي :

- اشتر لنفسك ملابس جديدة حتى تبدو محترما ، يا إلهي ‍‍!! إنك تقتر على نفسك لكي توفر.
- إنني في حاجة إلى توفير عشرين جنيها لأنني انتويت السفر إلى أوربا ، فالوصول إلى بوخارست أو صوفيا يكلفني ثمانية جنيهات , والكسوة الشتوية ستكلفني أربعة جنيهات ،والباقي أحتاجه لصروف الدهر فلقد نويت الإقامة هناك .
- يا إلهي !! لقد حسبتها لآخر مليم ، تذهب هناك لتكون تحت رعاية فتاة فاجرة !! يالك من أناني : لم تفكر في والديك .
ثم أضاف :
- أنت دائما محظوظا ، عندي لك أخبارا سارة .
- أخبار سارة لي أنا !!؟ لا أظن …
- اليوم فقط .. أخبرت بقبولك بمدارس كمبوني ، إنها حقا لمعجزة أن يقبل أمثالك في هذه المدارس التي تضاهي كلية غردون ، بعد أسبوعين فقط سوف تعيد الصف الثاني للمرة الثالثة ..
حقا إنها أخبار سارة أو هي معجزة كما قال الخال .شكرت الخال وقبلت وجنتيه في امتنان حقيقي .
في اليوم التالي نقلت الخبر لناديا البلغارية ، التي طلبت مني أن أريها المدرسة صباح اليوم التالي.
غادرت ناديا إلى بلدها قبل يوم من بدء الدراسة وقد كنت في وداعها عند محطة السكة حديد . قبل تحرك القطار سلمتني مظروفا به مبلغ ثلاثة جنيهات ليصير معي مبلغ خمسة عشر جنيها إذا أضفنا لها حصيلتي في مكتب البريد.

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
26)


مدارس كمبوني
الخرطوم : 36/1935 م


معظم تلاميذ كمبوني في ذلك الوقت من الأوربيين والشوام . أول ما لفت نظري في كمبوني الاهتمام بالنواحي الفنية من موسيقى ومسرح و أوبرا ورياضة . النظام والنظافة والانضباط طابع الكل ، مدرسين وتلاميذ . التحدث باللغة الإنجليزية أثناء اليوم الدراسي إلزاميا ومن يخالف ذلك يعرض نفسه للعقوبة والفصل أحيانا .
معظم المدرسين من الرهبان التابعين للكنيسة الكاثوليكية الرومانية . الراهب المسئول عن تثقيفي الديني قرر تعميدي واستجبت له ولم أخبره إنني قد عمدت قبل ستة شهور في الكنيسة القبطية . عندما أخبر سمير والديه المتدينين بتعميدي الكاثوليكي ، لاماني لعدم إخبار الراهب بتعميدي السابق في الكنيسة القبطية . كنت كلما أرى قسيسا أخاله سوف يناديني ليعمدني . استمرت معي رغبة الناس في تعميدي حتى بعد ذهابي إلى بريطانيا _(بعد ستة عشر عاما من هذا التاريخ ) فكلما تنشأ علاقة بيني وبين فتاة تأخذني هذه الفتاة لتعمدني في كنيستها ، كنت لا ارفض أي طلب للتعميد لأني أشعر أن الجميع يتمتعون بذلك … فلماذا احرمهم ؟ إنهم لا يفعلون ذلك مع كل من يعرفونه ولكن لأني إفريقي وهم يشكون في صحة مسيحية الأفارقة وهو نوع من الاضطهاد العرقي حتى ولو كنت أبيضا مثل

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
بالرغم من حدة المنافسة الأكاديمية فقد قلت رغبتي في الاجتهاد وفقدت الرغبة حتى في المواد التي احبها . لقد حرمت من دراسة اللغة الفرنسية والعلوم ما عدا منهج مبسط يسمى العلوم العامة . عندما قابل خالي مدرس الرياضيات قال له : ( هذا الولد لا يرجى منه نجاحا في هذه المادة ) . قررت أن أدخل التحدي وأنجح في الرياضيات وقد كان لي ما أردت ، لقد حزت على الجائزة الثانية في مادة الرياضيات.
كان هناك ثلاثة أقسام في مدارس الكمبوني : أولها قسمي الذي أكرهه ،الثاني للأوربيين وفيه يدرسون العلوم التجارية مثلنا والفرق أنهم يدرسون لغة عربية أقل وإنجليزية أكثر إضافة للغة الفرنسية . أما القسم الثالث وهو قسم الصفوة من الأوربيين فيدرسون الكيمياء والفيزياء والرياضيات الإضافية والجغرافيا الطبيعية إضافة للغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية ولهم مدرسيهم الخاصين و مختبراتهم الخاصة . لقد عانيت الكثير من هذا التقسيم والتصنيف ، فقد كنت أصنف أبيضا في عطبرة وإفريقيا في مدارس الأقباط وملونا في مدارس كمبوني.
مدارس كمبوني من المدارس المرتفعة التكاليف لقد ضحى والدي بعشر دخله لأكون هنا. في كمبوني انعقدت صداقتي بزميلي نصيف وصلاح وقد تركا المدرسة ليبحثا عن عمل

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
يسلمووو على الرواية وردة

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
يسلمووو أخي وردة

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
رواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 B2979a051d

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
رواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 W6w_20051018011313a8332c3c

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
مشكور gooood

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
رواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 30726410

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
مشكوور اخي وماتقصر

descriptionرواية "صبي من النيل الأزرق - صفحة 2 Emptyرد: رواية "صبي من النيل الأزرق

more_horiz
(27)


مخاطر الحب


جارتنا عزيزة فتاة مسالمية قبطية يتيمة وجميلة ،تعيش تحت كنف أخيها فؤاد . كانت تصغرني بعام واحد . كانت تستعير كتبي لتعلم نفسها . توطدت العلاقة بيننا سريعا وكنا نتقابل في بيتهم أو بيت خالي بوجود أحد أفراد الأسرتين.
جاءتني يوما نعيمة زوجة خالي الفلسطينية محذرة من مقابلة عزيزة خوف الإشاعات .ولما رأت نعيمة على وجهي علامات الاستغراب قالت موضحة : ( زينب هارون قد سممت الليلة الماضية وقتل الرجل المتهم بالتلاعب معها وألقيت جثته في النيل ).
عائلة هارون تجاورنا في المسالمة وهم من المسلمين شديدي التعصب .بعد مضي أسبوع من الحادث بدأت أم زينب في الصراخ والولولة ، كأنها قد مست . تجمع في بيتهم الجيران والكل يتكلم بصوت عال .قد سمعت خالتي نعيمة تقول : ( هؤلاء الجبناء ، أشباه الرجال لا يعترفون بأن فعلتهم الشنعاء ضد زينب هي التي جلبت هذه المأساة ، لا يجرؤ أحدهم بالاعتراف أمام مستر برمبل . إن الله برئ مما يفعله هؤلاء الآثمين باسمه ) . لقد كنت أسمع وأتابع وأنا مذهول مما يجري .
في اليوم التالي سمعت جلبة في بيت هارون .تسلقت الحائط ورأيت رهطاً من الرجال والنساء يتبادلون في ضرب أم زينب ،وهم يتلون بعض الأدعية .والأم المسكينة لا تستطيع أن تحرك ساكنا ،غير أن تئن وتتوسل لهم بعينيها وهم مستمرين في ضربهم ظانين أنهم يعالجونها من الروح الشريرة . تهللت وجوه القوم بالفرح عندما خفت أنين المسكينة ظانين أن الروح الشريرة قد بدأت في الخروج . رآني ابنها محمد وأنا مشدوها أتابع ما يجري ولكنني استطعت الإفلات منه ولكنه هددني بأنني سوف أدفع الثمن غاليا .
في صباح اليوم التالي توفت أم زينب ودفنت على عجل .بعد أسبوعين من وفاة أم زينب ،جاءت إلى حيَنا شاحنة بدفورد على متنها ستة من العساكر ،يقودهم ضابط سوداني واعتقلوا هارون وولده محمد وأنا معهم. جمعت الشاحنة رجالا ونساء من أحياء أم درمان المختلفة بلغ عددهم خمسة عشر شخصا . مثلنا أمام مستر واطسون قمندان الشرطة . رفع مستر واطسون حاجبيه دهشة وقال : ( أنت أيضا !) . أطلق سراحي لأكون شاهد إدعاء ومعي رجلين وأبقوا الباقين رهن التحفظ . بعد شهر من التحري والتحقيق مثلنا أمام محكمة الجنايات الجنايات العليا وصدرت الأحكام الرادعة التي تراوحت بين الإعدام شنقا والسجن خمسة سنوات مع الأشغال الشاقة
privacy_tip صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
power_settings_newقم بتسجيل الدخول للرد